الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

509

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الإحسان الجميل لا بنحو الاستحقاق للعبد على اللَّه تعالى ، فيرجع معنى الآية حينئذ إلى أنه يقول اللَّه تعالى : " إنا إنما أبقينا ما أوحيناه إليك عندك تفضلا منّا عليك ، وليس ذلك بلازم علينا بل ولو شئنا لنذهبن به " . ثم إنه تعالى أوجب على نفسه من نفسه لا من أعمال الخلق الخلَّص الوفاء بالعهد وإتمام عهده كما يشير إليه قوله تعالى : إن اللَّه لا يخلف الميعاد 3 : 9 ( 1 ) . وإليه يشير أيضا ما في الكافي عن الصادق عليه السّلام ما معناه : أن النبي إلياس سجد وتضرع إلى اللَّه تعالى فأوحى اللَّه إليه : " ارفع رأسك فإني لا أعذّبك " فقال : " يا رب إن قلت : لا أعذبك ، ثم عذّبتني ألست عبدك ؟ فقال اللَّه تعالى : إني إذا وعدت لا أخلف الميعاد " . وكيف كان فاللَّه تعالى لا يحكم عليه بأي شيء ، بل له الحكم وله الأمر والخلق ، فالذي يدعوه تعالى بأن يأمنه من الزيغ سواء كان من المعصومين كالأنبياء والأئمة عليهم السّلام حيث إنهم آمنون من زيغ قلوبهم وميلها عن الحق ، لأنهم معصومون ومعتصمون بحبل عصمته تعالى ، أو كان من غير المعصومين إلا أنه كان من المؤمنين الذين تمت فيهم علة بقاء الفيض بنحو ذكرناه إنما يدعوه انقطاعا إليه تعالى ، ومعنى الانقطاع إليه أن كل أمر من وجود أو إيمان أو كمال فإنما ثباته لهم منه تعالى ، وأنهم ( أي العبيد ) يتبرّأون من حولهم وقوتهم ، ومن كونهم بما لهم من وصف الإيمان والتوحيد سببا لبقاء تلك النعم الإلهية من التوحيد والإيمان وغيرهما ، بل يرون أن الأمور كلها بأمره في جميع الأمور والموارد وإن تمت القوابل قابليتها . فيعلمون أن القلوب وإن كانت من الخلَّص تزيغ إلا أن يثبّتها اللَّه تعالى ، ويرون أن له تعالى سلبها وسلب الإيمان فأوجب لهم هذا بأن يتضرعوا إليه تعالى ، وعلموا أنه لا يثبت الإيمان في القلب إلا بالدعاء والانقطاع والتضرع كما ورد في دعاء الوتر :

--> ( 1 ) الرعد : 31 . .